سيد محمد طنطاوي
312
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولا يتنافى هذا مع قوله - تعالى - : ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ . . « 1 » . وقوله - تعالى - : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ، ومِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ . . « 2 » . لأن المقصود في هاتين الآيتين وأشباههما ، أن دعاة الكفر والفسوق والعصيان ، يحملون ذنوبهم يوم القيامة ، ويحملون فوق ذلك جانبا من ذنوب من كانوا هم سببا في ضلالهم ، لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها - كما جاء في الحديث الصحيح - فهم يحملون آثام أنفسهم ، والآثام التي كانوا سببا في ارتكاب غيرهم لها . كذلك لا يتنافى قوله - تعالى - : * ( ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * مع ما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما من « أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه . . » . لأن العلماء حملوا الحديث على أن يكون الميت قد أوصى بذلك قبل موته ، أو أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته ، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه ويشقون الجيوب ، ويلطمون الخدود . . فتعذيبه بسبب تفريطه ، وعدم تنفيذه لقوله - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ ناراً ، وَقُودُهَا النَّاسُ والْحِجارَةُ . . « 3 » . وقوله - تعالى - : * ( وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) * بيان لمظهر من مظاهر رحمة اللَّه - تعالى - بعباده - ورأفته بهم ، وكرمه معهم . قال الآلوسي : قوله : * ( وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) * بيان للعناية الربانية إثر بيان آثار الهداية والضلالة بأصحابها ، وعدم حرمان المهتدى من ثمرات هدايته . وعدم مؤاخذة النفس بجناية غيرها . أي : وما صح وما استقام منا ، بل استحال في سنتنا المبنية على الحكم البالغة . . أن نعذب أحدا بنوع ما من العذاب دنيويا كان أو أخرويا ، على فعل شيء أو ترك شيء أصليا كان أو فرعيا ، حتى نبعث إليه * ( رَسُولًا ) * يهدى إلى الحق ، ويردع عن الضلال ، ويقيم الحجج ، ويمهد الشرائع . . « 4 » . وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم ، تشبه هذه الآية ، في بيان أن اللَّه - تعالى -
--> ( 1 ) سورة العنكبوت الآية 13 . ( 2 ) سورة النحل الآية 25 . ( 3 ) سورة التحريم الآية 6 . ( 4 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 37 .